Français English
 
 

اسطفان الدويهي بطريركا

عاد الأسقف إسطفان الدويهي من قبرص ونزل في ميناء طرابلس في 12 نيسان سنة 1670، وقد بلغه أن البطريرك جرجس السبعلي قضى على أثر إصابته بمرض الطاعون. وكان البطريرك جرجس السبعلي مقيما في دير مار شلّيطا مقبس هرباً من الاضطهاد، ولم يدفن داخل الكنيسة خوفًا من عدوى مرض الطاعون بل في قبر قديم في جوار الدير في قلب صخرة حفرت عليها عبارة بالسريانية كتب عليها إسمه وتاريخ موته.
     بعد وفاة البطريرك جرجس السبعلي تمّ اجتماع أساقفة الطائفة وأعيانها لانتخاب البطريرك الجديد. فكان الاجتماع في قنوبين في اليوم الاربعين للوفاة. وثمّ تنصيب إسطفان الدويهي بطريركاً. فتمنّع المطران إسطفان في البدء بشدة، واحتجب عن أعين الناس، فأصّروا عليه. وقبل المطران. وذلك في 20 ايار 1670 في دير سيدة قنوبين. رسم البطريرك الجديد الشمّاس يوسف بن بربور الحصروني قسًا، وأرسله إلى روما ليقدّم باسمه الطاعة والخضوع للكرسي الرسولي ويلتمس من البابا التثبيت ودرع الرئاسة كما جرت العادة عند أسلافه البطاركة...
     لكن البطريرك إسطفان الدويهي لم يحصل على براءة التثبيت إلاّ في 8 (الثامن) من آب 1672. هذا التأخير نجم عن أسباب أبرزها أن غبطته إضطر إلى أن يأتي إلى بلاد كسروان هرباً من تعسّف الحكام آل حماده في منطقة الشمال، والسبب الثاني لأن بعض الرؤساء والأعيان أبرزهم آل الخازن لم يكونوا موجودين في الانتخاب كما كانت تجري التقاليد. فاضطر الوقوف على خاطر الشيخ/ ابي نوفل الخازن الذي لم يحضر الانتخاب.
 
    طغيان آل حماده ونزوح الموارنة جنوباً
     الطغيان الذي مارسه الحمادييون على جبّة بشري وجبيل والبترون، والأمان والعدل اللذان عرفهما كسروان في عهد الأمير منصور العسافّي شجّعا نزوح الموارنة إليه لأعماره بعد أن كان قد تمّ تخليته من سكانه على أثر الحروب الصليبية.
 
    1-  المرحلة الأولى 1671 - 1672:
 
     تمّ انتخاب البطريرك إسطفانوس الدويهي إلى سدّة البطريركية في العشرين من أيار سنة 1670. بعد إنتخابه تعرّض لاضطهادات ولاة طرابلس وحكام منطقة جبّة بشري الذين كانوا يفرضون الضرائب ظلماً وتعسفاً. وبما أنّ انتخاب البطريرك المذكور كان قد تمّ دون مشورة الشيخ أبي نوفل الخازن، وفق التقاليد، غضب الشيخ أبو نوفل ورفض الإقرار بانتخاب البطريرك. مما دفع البطريرك إسطفان الدويهي للجوء أول مرة إلى كسروان هرباً من تعسف آل حماده من جهة واسترضاءاً للشيخ المذكور من جهة أخرى، فالتقاه في دير مار شلّيطا (9). رضي أبو نوفل بعدها عن هذا الانتخاب لما لمس عند البطريرك من تواضع ووقار واحترام، والفضائل التي يتحلى بها ومظاهر قداسة. بقي البطريرك في منطقة كسروان. وكانت المرحلة الأولى له في دير مار شلّيطا مقبس سنة 1671-1672 جدّد بناء الدير وأضاف عليه المبنى الجنوبي وأمر بترميم الكنيسة وإصلاحها سنة 1672، كما تدّل الكتابة الموجودة في حائطها الغربي، وجاء نصها بالكرشوني كالآتي: ''سنة 1672 ربّانية، تجدّد هذا الهيكل المقدّس في أيّام سيدنا البطريرك إسطفانوس الأنطاكي والشيخ أبي نوفل وأولاده المكرّمين، وبعناية ابن المحاسب الخوري سركيس. وكان البنّاء القس جرجس''. وكرّس البطريرك الكنيسة في نفس السنة أي سنة 1672
     حرّر البطريرك إسطفان الدويهي من دير مار شلّيطا مقبس عدداً كبيراً من الرسائل منها:
     1- رسالة إلى الكاردينال بربريني يطلب فيها درع التثبيت في أواخر آذار 1671.
     2- رسالة إلى بابا روما أكليمنضوس العاشر يخبره عن وفاة البطريرك جرجس السبعلي وأنه انتخب عوضا عنه. حرّرت في 24 آب 1671 في دير مار شلّيطا مقبس.
     3- كما حرّر من دير مار شلّيطا رسالة إلى قنصل فرنسا في صيدا في 25 تشرين الأول 1671 وهي بالإيطالية.
 
     2- المرحلة الثانية 1675- 1676:
      في بداية سنة 1675، اضطر البطريرك اسطفان الدويهي إلى اللجوء إلى كسروان طالباً حماية أبي نوفل الخازن. وذلك هرباً من اضطهادات آل حماده. فتوجّه إلى دير مار شلّيطا مقبس للمرّة الثانية.
     في 3 شباط 1675، رقّى البطريرك إسطفان الدويهي الشمّاس يوحنا محاسب إلى درجة الكهنوت. ويوحنا هذا أصبح في ما بعد مطراناً على عرقا، ورئيساً على دير مار شلّيطا حتى سنة وفاته1712 . وكانت السيامة تتم غالباً بحضور مشايخ آل الخازن لاسيما الشيخ أبي نوفل الخازن وأولاده وأولاد عمه. كذلك بحضور مشايخ آل حبيش لاسيما الشيخ أبي شديد حبيش وشعب غفير.
     بقي البطريرك إسطفان الدويهي في دير مار شلّيطا حتى سنة 1676. وفي هذه الفترة حرّر العديد من الرسائل، أبرزها رسالة تهنئة للبابا إينوثنسيوس الحادي عشر بمناسبة إرتقائه السدّة البطرسية في 21 أيلول 1676. رسالة التهنئة هذه حرّرت في 10 تشرين الثاني1676  في دير مار شلّيطا
 
    3- المرحلة الثالثة 1683:
     وقعت إضطرابات عديدة في جبّة بشري، فذاق سكان الجبّة الأمرّين من ظلم آل حماده وتعسفهم في جمع الضرائب. والبطريرك إسطفان الدويهي يتكلّم عن هذا الظلم في رسالة تهنئة وجهها إلى البابا Innocent المنتخب ويقول:''لكن ما قدّر الله من المحن ما لم يرَه شعب إسرائيل من الفراعنة، فإن قرى كثيرة خلت وبعض الأديرة احترقت والكنائس إنهجرت وتقتّل شعب كثير... ثم تبعتهم القحط والغلاء حتى زادت الأسعار خمسة أضعاف...''
     هذه الأسباب حملت البطريرك إسطفان الدويهي على ترك قنوبين للمرّة الثالثة واللجوء إلى دير مار شلّيطا - غوسطا. وكان ذلك في وسط الشتاء في أسبوع المرفع ومكث فيه حتى التاسع والعشرين من شهر آب سنة 1683. وفي 20 حزيران 1683 حرّر منشور إلى الطائفة، من دير مار شلّيطا مقبس.
 
    4- المرحلة الرابعة 1685:
     بعد توجهه إلى الشوف نزل البطريرك إسطفان الدويهي ضيفاً على الأمير أحمد المعني حاكم المنطقة. وبعد فترة إستأجر من الأمير المذكور قرية مجدل المعوش وأدخل العمران إليها ومكث فيها ثلاث سنوات. ترك البطريرك الشوف بعد أن وجّه آل حماده كتابَ إعتذار يقدّمون له خضوعهم. فعاد إلى كسروان وأقام في دير مار شلّيطا مقبس للمرّة الرابعة ومنه عاد إلى قنوبين.
 
   5- المرحلة الخامسة 1697:
     بقي تنقّل البطريرك إسطفان الدويهي مستمراً بين الجبّة وكسروان مع إستمرار الإضطهاد في منطقة الجبّة، والمضايقات والضرائب الباهظة التي فرضها آل حماده من جهة وزيارات رعائية من جهة أخرى. فكرّس عدداً كبيراً من الكنائس في كسروان بين سنة 1690- 1698 ، في عجلتون، وذوق مصبح، وساحل علما، ومزرعة كفرذبيان بالإضافة إلى عدد كبير من الكنائس. وفي الثامن من أيلول سنة 1698 كرّس كنيسة مار الياس في غوسطا، وفي السنة نفسها كرّس كنيسة مار أنطونيوس في دير عين ورقة...
     (كنيسة السيدة في دير عين ورقة كانت قد كرسّت في 21 أيار 1680...
     لكن البطريرك إسطفان الدويهي إضطر إلى اللجوء إلى دير مار شلّيطا سنة 1697 وللمرة الخامسة إلى أن تدخل والي طرابلس أرسلان باشا فوّجه إليه رسالة يتعهد له فيها منع كل أذى وإبتزاز. ندم آل حماده على ما فعلوه وتوسطوا مع أعيان الموارنة ليقنعوه بالعودة من دير مار شلّيطا إلى قنوبين.
 
     6- المرحلة السادسة 1704:
     بقي البطريرك إسطفان الدويهي يعاني الأمرّين من تعسف آل حماده حتى آخر حياته. وحادثة الشيخ عيسى حماده خير دليل. فالشيخ عيسى ''شرع في جمع الدراهم المتبقية عليه ليؤديها إلى متسلِّم طرابلس، لم يسترحم سبيلاً للوصول إلى غايته المذكورة. فحضر إلى دير قنوبين مع جمهور من ذويه وطلب من البطرك مبلغاً من المال فلم يستجب لطلبهم. فغضب عيسى المذكور وصاح بالبطريرك وخاصمه ورفع يده الشقية ولطمه لطمة قوية أوشكت أن ترميه إلى الأرض لو لم يستند إلى الحائط فوقع المنديل من على رأسه''. عندها كتب البطريرك إلى الشيخ حصن الخازن وشرح له، في رسالة مفصّلة، ما جرى له. فأرسل الشيخ أخاه الشيخ ضرغام الذي أصبح بطريركاً في ما بعد مع أولاد عمّه الشيخ موسى والشيخ خطار الخازن، على رأس وفد ليأتوا بالبطريرك إلى كسروان. فنزل البطريرك عند رغبة مشايخ آل الخازن وكان له استقبال حافل، وذلك في الرابع والعشرين من كانون الثاني سنة1704.
      أقام البطريرك إسطفان الدويهي يومين في غزير عند مشايخ آل حبيش ثم انتقل إلى دير مار شلّيطا مقبس. فكانت المرحلة السادسة والأخيرة له في هذا الدير... بقي في دير مار شلّيطا مقبس حوالي الثلاث أشهر. وبعد أن تدخل والي طرابلس والأمير بشير شهاب، وبعد أن اعتذر الشيخ عيسى ومشايخ آل حماده، عاد البطريرك إلى قنوبين في التاسع عشر من شهر نيسان سنة 1704 فوصل في السادس والعشرين منه اشتدّ عليه المرض في التاسع والعشرين من نيسان، فكان يردّد وهو على فراش الموت ''اللهمّ إني أشكرك لأنّك سمعت طلبي واستجبت لي وردّيتني إلى كرستي لأدفن بين سلفائي... ها قد بلغ زمان نيامي وأترك الكرسي لغيري كما غيري تركه لي لأنّني عشت طويلاً...''
      بعد أسبوعين من مغادرته دير مار شلّيطا مقبس توفي البطريرك العلاّمة إسطفان الدويهي بعطر القداسة في الثالث من أيار 1704 ودفن في مغارة القديسة مارينا في قنوبين وهي مدفن بطاركة آل الدويهي، من البطريرك يوحنا بن مخلوف الدويهي، والبطريرك جرجس عميرة الدويهي، إلى البطريرك إسطفان الدويهي.
 
     الوضع الحالي لدير مار شلّيطا مقبس
      عان دير مار شلّيطا ما عاناه أبّان الحرب اللبنانية القذرة، وأخذ نصيبه من الخراب والإهمال. فاستعمل كمقر عسكري في ظروف إستتثنائية. عسى بعد الاستقرار والامن الذي إستتبّ في البلد وبعد تحرير الجنوب، أن يحظى هذا الدير الذي إعتبر '' قنوبين كسروان'' وكان ملجأ للبطاركة على مدى العصور، فرصة لإعادة ترميمه فيتجدد كما جدد سنة 1628.
عائلة محاسب الحريصة على تاريخها وتراثها وجذورها تعمل بجهد كبير للحفاظ على هذه الامانة، وهي تعمل بكل محبة وتعاون وبيد واحدة مع مؤسسة الجيش اللبناني ليستعيد هذا الدير دوره الديني والفكري بكل شرف و تضحية ووفاء.
1 2 3 4 5 6